قراءة في "زمن الحيتان"
عندما صفق "الرجل الأبيض" لتقرير "الصحفيّة" الأخير -وهو التقرير المغلوط لرواية قتل أبرياء بدعوى أنهم إرهابيون- كان الجمهور قد أدرك أنها النهاية المأساويّة لمسرحيتنا هذه الليلة؛" زمن الحيتان". وقف الجمهور وصفق طويلا لهذا العمل الفني المبدع الذي قدمه الليلة مسرح عشتار في رام الله (بدأ عرضها يوم السبت 9-7-2005م). المستوى الفني العالي الذي تميزت به هذه المسرحيّة "زمن الحيتان" يجعلها شاهدا قويا على مستوى الأداء المسرحي المبدع الذي وصله الفنان الفلسطيني على مستوى الكتابة والتمثيل والإخراج والديكور والإضاءة والصوت وغيرها من الفنون المكونة لمسرح قوي. ولكن الأكثر إلحاحا في ذاكرتي منذ وقفت أصفق وسط الجمهور وحتى الآن تلك الرؤى التي طرحتها المسرحيّة على مستوى الموضوع. ليست المرة الأولى التي يناقش عمل فني فلسطيني قضيّة "الإرهاب" وماهيّة"الإرهابي" ولكن التساؤل اتسع هنا
حول "طبيعة الإرهاب ومفهومه؛ مصدره وأشكاله" كما جاء في تعريف نشرة "عشتار" عن المسرحيّة- ليشمل الساحة الفلسطينيّة العربية والعالمية. فنرى من خلال مسرحيّة "زمن الحيتان" البعد الفلسطيني والعربي والعالمي؛ مختصرة في خمس شخصيات تقاسمت البطولة بتناغم مبدع. فكانت شخصية الرجل الأبيض كما أسميها برؤيتي للعمل ومما أوحت لي بدلته البيضاء وسماته الشخصية الغربية وهو تاجر سلاح (أبا عن جد) حمل إلى السفينة – أي المسرح الذي يمثل سطح سفينة- شحنة من الأسلحة البيولوجية موجهة إلى دولة من دول العالم الثالث بغية زرع حالة عدم الاستقرار فيها، تتآمر هذه الشخصية مع أخرى تمثل رجل عربي -كما يظهر -معارض لنظام الحكم في بلده الأم معارضة مغرضة مدفوعا بمصلحته الشخصية وبتأثير من أمراضه النفسية. تتآمر هذه الشخصيتان ضد شاب صغير ضعيف البنية متواجد على ذات السفينة. يمثل هذا الشاب جيلا ممن ظلموا وعذبوا في سجون الظلام فقد اعتقل الشاب عامين وعذب بوحشية بسبب إجراءه بحث حول أسباب الإرهاب في العالم، كل جريمته أنه حاول أن يفهم سبب الدمار والتخريب الذي يقع في مناطق متعددة من العالم. عندما خرج من السجن وقد انتهكت إنسانيته إلى أبعد
الحدود و فقد وضعه الاجتماعي فلم يجد زوجته وخسر جامعته حيث كان طالبا في كلية الهندسة، سافر هربا من واقعه، ليكتشف أن هذه السفينة عليها شحنة من الأسلحة البيولوجية موجه لتدمير أبرياء. وخلال محاولة الرجل الأبيض والمعارض السلبي الخلاص من هذا الشاب تتفاعل على المسرح الشخصية الرابعة وهي لصحفيّة مغامرة تهرب من مشاكلها الاجتماعية عبر البحث عن حقيقة مثيرة فتتعرف إلى الشاب وتتبنى قضيته ولكنها تقع ضحية إغراء وتهديد كل من الرجل الأبيض والمعارض لتتحول بإرادتها أو رغما عنها لبوق إعلامي لكليهما بعيدة كل البعد عن الحقيقة. الشخصية الخامسة جاءت لموسيقي يمثل دور الفيلسوف الذي يدعو إلى التهدئة بين أطراف الصراع كافة عبر التعقل والاحتكام للمنطق والحل البعيد عن العنف.
في النهاية المسرحيّة قدمت تساؤلات بقدر ما قدمت واقع كشفت عنه بفنيّة مبدعة وكلمة كلمة وحركة حركة بعيدة عن أي تكرار. ويمكنني القول أنها أشارت أيضا إلى الحل الأكثر امكانية في زمن الحيتان. ففي المسرحيّة نجد الإعلام وحتى المخلص منه والباحث عن الحقيقة في أول الأمر والذي مثلته الصحفية انتهى به المطاف ليكون بوقا "للحيتان" أي لسادة الإرهاب في العالم – الرجل الأبيض والمعارض الخبيث السلبي- وأما الموسيقي الفيلسوف الذي مثل فلسفة اللاعنف والذي ارتدى على المسرح زي فلاسفة آسيا (غاندي كما فسرته) – وعلى ما أعتقد أنه اختيار ليس بصدفة- فقد كان مؤثرا في الأبرياء أمثال الصحفية والشاب المهندس حيث أقنع بالتعاون مع الصحفية الشاب بأن يتوقف عن ما نوى عليه من تدمير السفينة بما عليها من أسلحة دمار؛ مقنعين الشاب بأن عليه أن يعالج خطر هؤلاء الإرهابيين الكبار باللاعنف وبالقانون وبفضح ممارساتهم ونشر الحقيقة. لكن هذا الفيلسوف بإقناعه
الشاب بترك العنف يوقع نفسه والشاب والصحفية في شرك الحيتان الذين لا يفهمون إلا لغة العنف والدمار وهكذا أرى نقدا واضحا للدور الضعيف الذي يؤديه حكماء اللاعنف في زمن الحيتان. وأقرأ من جهتي نقدا لضعف سياسة اللاعنف مع انتشار الدعوة لها في فلسطين وخاصة بما يسمى مشروع غاندي للاعنف ومبادرات المقاومة اللاعنيفة التي منها ما يتوجه يوميا لمقاومة جدار الضم العنصري فما نجحت في إيقاف بناء الجدار ولا أوقفت تتابع أعداد الضحايا الفلسطينيين الذي يبادون بدم بارد على الجدار.
النهاية المأساوية التي انتهت بها المسرحيّة وصفت الواقع المرّ الذي نعيشه وعلقت الجرس على عنق أصول الإرهاب في العالم – الرجل الأبيض والمعارض الخبيث- ولكنها أوحت سواء قصد مؤلف العمل أو لم يقصد بأن اختيار الأبرياء للعنف لردع أصل العنف ومنبعه كان له ما يبرره. صحيح كما ذكر الفيلسوف للشاب بأن هناك عشرات السفن محمله بالدمار ولكننا نرى في النهاية بأن تدمير الشاب للسفينة فيما لو تم كان سينقذ العالم على الأقل من سفينة دمار واحدة ومجموعة من زارعي الدمار. هذا طالما ظل الحكماء والفلاسفة يجدون القول لا الفعل وطالما بقي الإعلام موجها وصوت الحقيقة فيه ضعيف قابل للإخضاع.
وبينما تتوارى جميع الأصوات والألوان في نهاية العمل من الذاكرة يظل الأداء المبدع للممثل الذي قدم دور الشاب المهندس وهو يصرخ ويصرخ في آذان العالم ليتوقف هذا الإرهاب الذي أصبح لا يطاق بما فيه من ظلم ودمار وقد عزم أمره أن يحارب مصدر الإرهاب لإنقاذ الناس. هذا الشاب المهندس الذي يتحول في النهاية نتيجة للاعلام المغرض المشوه للحقيقة إلى إرهابي. ولا أدري إن كان مؤلف العمل قد قصد اختيار شخصية هذا الشاب بملابسها الموحيّة بالنموذج الفلسطيني لشباب الانتفاضة وجعله "مهندسا" أم لا؛ ولكنه أوحى لي بما يعنيه ذلك.
وإذا كانت هذه المسرحية تعبر عن قراءة فلسطينية لطبيعة الإرهاب وأسبابه منطلقة من الرأي القائل بأن "الحرب على الإرهاب استخفاف بعقول البشر"، فإنها أيضا لم تكن بعيدة عن فكرة أو تعاطف شخصيات أكاديمية يمثلون شريحة من عامة الأمريكيين، فقد أنتج مسرح عشتار (رام الله) هذه المسرحية"زمن الحيتان" بالتعاون مع أكاديميين من جامعة أيوا (الولايات المتحدة الأمريكيّة) .
ربيحة علان علان
الأحد 10-7-2005م
Rabeeha_jineen@...
www.arabiancreativity.com/rabeeha.htm
__________________________________________________
Do You Yahoo!?
Tired of spam? Yahoo! Mail has the best spam protection around
http://mail.yahoo.com